كاريكاتير

لماذا يتهم لبنان بالعنصرية؟

مقالة :دوللي مشعلاني نشر بتاريخ : 19/11/2016 - 10:09

لماذا يتهم لبنان بالعنصرية؟

 

الحرة حدث

دوللي بشعلاني

في الوقت الذي بدأت فيه ألمانيا بترحيل أكبر عدد ممكن من المهاجرين من أراضيها، خلافاً للحماس الذي أظهرته المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في بداية الهجرة غير الشرعية للسوريين الى بلادها باعتمادها سياسة الباب المفتوح للاجئين، ما أدّى الى تدفّق مليون شخص على مدى الـ 12 شهراً الماضية، كما ضغطت على بعض دول الإتحاد الأوروبي لتحذو حذوها.. وفي الوقت نفسه الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب أنّه فور وصوله الى البيت الأبيض سوف يطرد 3 ملايين مهاجر غير شرعي من الولايات المتحدة الأميركية، أعلن الرئيس العماد ميشال عون كذلك في خطاب القسم أنّه سيسعى الى تحقيق حقّ العودة للاجئين الفلسطينيين، كما الى إعادة النازحين السوريين الى بلادهم خلال عهده.

والسؤال المطروح هنا: لماذا يجتمع العالم على أنّ لبنان بلد عنصري، عندما يُعلن عن ضرورة إعادة اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين الى بلادهم، ولا يجد في قرارات ميركل أو ترامب أي عنصرية، بل حقّاً من حقوق شعوبهم بأنّها تريد العيش بسلام من دون غرباء على أرضها؟! أوساط ديبلوماسية مواكبة لما يجري على الساحة الدولية أوضحت أنّه من حقّ أي بلد في العالم أن يحمي أمنه وسلامة أبنائه من أي خطر يتهدّده، وليس في ذلك أي عنصرية انطلاقاً من حفظ حقوق النازحين أو المهاجرين الذين يبقى عيشهم في بلدهم أفضل لهم من أي بلد آخر في العالم.

أمّا عدم القبول بالغريب على أرض معينة والتفكير بترحيله، فيحصل عندما يقوم هذا الأخير بممارسات تُهدّد الأمن والسلم في البلد المضيف من جهة، أو يؤثّر وجوده سلباً على المواطن الأصلي، من جهة ثانية، لناحية عيشه ووضعه المادي والإجتماعي والصحي والتربوي وما الى ذلك. وبالنسبة لكلّ من الولايات المتحدة وألمانيا فإنّ عدداً كبيراً من المهاجرين غير الشرعيين في هذين البلدين يقوم بأعمال سيئة وحتى منافية للأخلاق تقول الاوساط، على غرار ما حصل في ألمانيا في ليلة رأس السنة الفائتة، وقد يصل البعض الى ممارسة الإرهاب.. إلاّ أنّ كلّ ذلك لا يؤثّر بشكل واضح على أمن هذه الدول خصوصاً وأنّها بلدان واسعة وشاسعة ولا يُشكّل المهاجرون فيها سوى نسبة قليلة جدّاً مقارنة مع عدد سكّانها.

أمّا في لبنان، فالوضع يختلف تماماً، فوجود عدد كبير من النازحين السوريين يصل، بحسب إحصاءات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين والتي تحتسب عدد المسجّلين لديها للحصول على المساعدات العينية أو المالية، الى نحو مليون ونصف نازح، في حين يصل عددهم الفعلي الى مليونين وأكثر إذ يقطن قسم لا بأس به منهم في مساكن مستأجرة الى جانب اللبنانيين في مختلف المناطق، هذا العدد يُشكّل ما نسبته نصف عدد سكان لبنان، هذا البلد الصغير المساحة والذي لم يعد يتسع أساساً لشعبه وحده. فضلاً عن وجود نحو نصف مليون لاجىء فلسطيني يعيشون في المخيمات الفلسطينية منذ عقود، وتُشكّل هذه الأخيرة ملجأ لبعض الإرهابيين أو الفارين من العدالة.

كذلك فإنّ ما يشهده لبنان من فقدان لأمنه الداخلي تدريجياً نظراً لوجود الغرباء على أرضه، وذلك مع تكاثر عمليات السرقة والنهب والإحتيال والدعارة وما الى ذلك، لا يُشجّعه على استضافتهم لمدّة أطول وإلاّ لخسر هذا البلد ما كان يتميّز به من أمن واستقرار تؤكد الاوساط، وسط كلّ ما يحصل حوله من أزمات في المنطقة. علماً أنّه أكثر بلد في الشرق الأوسط استضاف اللاجئين والنازحين بدافع إنساني ومن دون أي مساومة على وجودهم على أراضيه.

كما أنّ حكومته الجديدة ستسعى الى إعادة اللاجئين الى ديارهم تنفيذاً لحقّ العودة، على ما ذكرت الاوساط، وستعمل على تسهيل عودة النازحين السوريين الى بلادهم أيضاً. ولكن لا يُعلم حتى الآن، إذا ما كانت تنوي إعادة قسم منهم بشكل أولي الى بعض المناطق الآمنة في سوريا، وهي متوافرة بكثرة خلافاً لما يصرّح به بعض المسؤولين في المنظمات الدولية عن عدم وجودها حالياً في هذه البلاد. وهنا لا بدّ من التوضيح أنّ مساحة هذه الأخيرة تفوق مساحة لبنان بأضعاف، والدليل أنّ بعض العاملين السوريين يذهبون الى بلادهم ويعودون منها مرّة كلّ أسبوع أو أسبوعين، ولو لم يكن الأمن متوافراً فيها لما كانوا يقصدونها للإطمئنان على ذويهم.

وتقول الاوساط بأنّ أكثر بلد يرتاح فيه المواطن هو وطنه الأم، ولهذا فمن مصلحة اللاجئين والنازحين العودة الى بلادهم، لإعادة بنائها وتأمين مستقبل زاهر لهم فيها. ولهذا فلا يُمكن اتهام لبنان بالعنصرية، بعد كلّ العقود التي استضاف فيها اللاجئين على أرضه، والسنوات الأخيرة النازحين السوريين من منطلق إنساني بحت، وقدّم لهم ما لم يتمكّن حتى الآن من تأمينه لمواطنيه في كلّ المناطق من ماء وكهرباء وغيرها من الخدمات.

أمّا رفض المهاجرين والنازحين في بعض البلدان فيعود أيضاً، بحسب رأي الاوساط، الى سبب مهم وهو تورّط بعضهم بالعمليات الإرهابية التي باتت اليوم تُهدّد أي بلد في العالم، ولم تعد محصورة في منطقة الشرق الأوسط رغم وجود العدد الأكبر من عناصر التنظيمات الإرهابية فيها. وتريد هذه الدول بالدرجة الأولى أن تستعيد أمنها وسلامها وتمنح الطمأنينة لمواطنيها.

كذلك سيكون المجتمع الدولي معني بإيجاد الحلّ السياسي الشامل للأزمة السورية، ما يُمهّد بشكل أساسي وسريع لعودة النازحين الى بلادهم، كما بإقامة دولتين في فلسطين جنباً الى جنب الأمر الذي من شأنه أن يؤمّن عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم. وتأمل الأوساط نفسها أن تقوم الإدارة الأميركية الجديدة التي سيقودها ترامب بالقضاء على التنظيمات الإرهابية بشكل نهائي، ما سيحلّ الأزمة السورية ويحلّ بالتالي تداعياتها على دول الجوار، بما فيها لبنان، وبعض الدول الأوروبية من نزوح وهجرة غير شرعية وأعمال إنتحارية وإرهابية.