كاريكاتير

الساقطون في امتحان الأخلاق والمروءة !

مقالة :إبراهيم بن مدان نشر بتاريخ : 24/01/2017 - 18:52

 

 

 

الحرة حدث

يمر الإنسان في حياته اليومية بمجموعة من الاختبارات والامتحانات التي من خلالها تنكشف ملامح شخصيته الحقيقية ويظهر على صورته الحقيقية عكس تلك الصورة التي كان يراه بها الآخرون. هذا الامتحان لا علاقة له بالدرجات الدراسية التي حصلها الفرد في حياته، ولا بالأموال التي جناها واستطاع تحقيقها، ولا بالسلطة التي وصل إليها ومكنته من التصرف في رقاب العباد، ولا بالحسب والنسب الذي ولد به ويفتخر من خلاله على غيره

إنه امتحان الأخلاق الذي قد يسقط في اجتيازه الدكتور الجامعي وينجح فيه عامل النظافة، ويفشل في الإجابة عن أسئلته الغني المترف ويجيب عنها الفقير المعدم، ولا يعرف قراءة ورقته رجل السلطة المترفع ويقرؤها الرجل البسيط ليعطي لسيده بذلك أرقى الإجابات وأوضحها في فن التعامل والاحترام.

فهنا حيث صاحب السيارة الفارهة يتبختر على ذلك الماشي على قدميه في الشارع…

وذاك الذي يرتدي بذلة أنيقة ورابطة عنق ينظر باحتقار وازدراء للذي يرتدي ثياب بسيطة تقيه حر الصيف وبرد الشتاء…

أما ذلك الجامعي الذي درس بعض رؤوس الأقلام عن الحداثة والحرية فيرى غيره ممن لم تسمح لهم الظروف بولوج الجامعة على أنهم همج متخلفون لا يصح الحديث إليهم أو التعامل معهم…

في حين ذلك الذي يأكل من أفخم المطاعم وأرقاها فيرى الفقير المعدم البائس الذي لا يجد طعاما يسد رمقه بعين متكبرة متعالية وكأنه يقول له: ليتك رحلت من هذا العالم، ليتك لم تكن، مكانك ليس هنا، هذا المكان لنا نحن وفقط، إذهب إلى حيث تريد واتركنا نستمتع بوقتنا …الشيء الذي يجعلنا نتساءل أين الأخلاق والقيم داخل المجتمع ؟ !

الرسول محمد صلى عليه وآله وهو يعطي للبشرية درسا بليغا في الأخلاق قال: ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، فقد كان الصادق الأمين الكريم العفيف الطاهر… فكيف لا وهو سيد الأخلاق الذي قال فيه ربه: “وإنك لعلى خلق عظيم”. هذه الأخلاق التي تمسك بها أصحابه وأهل بيته الطيبين الأطهار من بعده فكانت سببا لتكالب أعداء الأخلاق والإنسانية عليهم، لا لشيء إلا لأنهم رفضوا أخلاقيات الطغاة الظلمة المتجبرين ووقفوا بصف الحق إلى جانب المظلومين دفاعا عن شريعة جدهم فوقع لهم ما وقع من قتل وسبي وتنكيل… فأن يتحلى الإنسان بأخلاق حميدة في عصر اختلت فيه الموازين ونكست فيه الفطرة، لهو جريمة كبرى عند من لا أخلاق ولا دين لهم.

إن ما نعانيه في هذا العصر من مآسي وويلات يرجع بالدرجة الأساس إلى غياب الأخلاق، هذه الأخيرة التي تعتبر سمة من سمات الحضارة والرقي والازدهار، إذ بدونها يصعب جدا الحديث عن التنمية والاستقرار وبناء الإنسان. أما دون ذلك فيبقى مجرد تنظير لا يسمن ولا يغني من جوع، فالساقطون في امتحان الأخلاق والمروءة وإن ادعوا خلاف ذلك زورا وبهتانا فإنهم أشبه ما يكونوا بتلك العاهرة التي تعطي محاضرات في الشرف وإن كانت العاهرة أحيانا لا تخون قيمها ومبادئها ووعودها كما يفعل جماعة الساقطون الذين لا أخلاق ولا وفاء ولا عهد لهم. لقد فطن أمير الشعراء أحمد شوقي بذكائه الفذ ونباهته المتوقدة لمأساتنا العميقة حين قال: “وإذا أصيب القوم في أخلاقهم … فأقم عليهم مأتما وعويلا”. !