كاريكاتير

الديمقراطية في العراق …. عوائق وفرص

مقالة :أحمد الميالي نشر بتاريخ : 29/05/2017 - 21:36

الديمقراطية في العراق …. عوائق وفرص

 

الحرة حدث...

بغداد / الباحث د. أحمد الميالي

 

ان الديمقراطية كما يقول مارك فلورباييه : ناقصة بشكل مستمر ولايجب اعاقة البحث عن توسعها مطلقا، وهذا يفسر ان لكل ديمقراطية وليدة وانتقالية امراض وعوائق ، فازمات الانتقال من الشمولية الى الديمقراطية اوضحها روزنغالون فقال : تعاني الديمقراطيات الانتقالية من امراض اولها الصدام بين الجانب الاجرائي والجانب القيمي وهنا ستواجه الديمقراطية الجنينية مخاطر الارجاع، اي استقواء الانظمة الاستبدادية وتوابعها المسقطة او المغيرة من جديد، ويصبح هنالك تصادم بين القيم الديمقراطية مع القيم الابوية والوصايا المطلقة مما يؤدي الى انحراف الديمقراطية نتيجة هذا التصادم.

 

اما الوجه الثاني لعوائق الديمقراطية يتعلق بالبنى المؤسسية للديمقراطية ومن دونها لايمكن لاي ديمقراطية ان تتخذ شكل الاستمرارية والاستقرار، وهذا يحتاج الى بناء مؤسسات تستهلك مسار طويل ومستويات وتوازنات معقدة .

 

اما الوجه الثالث لعوائق الديمقراطية يتعلق بالقوى السياسية الشعبوية والتنافس الحزبي القائم على الخطاب المشتت والتماس اليات التأزم والاضطراب لتحقيق المكاسب السياسية والشعبية. الديمقراطية حاجة ضرورية لكنها كما يقال مملة ومحبطة اذا لم يتم استئصال امراضها وتقويم انحرافاتها.

 

على اساس ذلك فان الديمقراطية في عراق مابعد ٢٠٠٣ تعاني من امراض عديدة يبدو ان اهم هذه الامراض هو عدم قبول غير الديمقراطيين بالديمقراطية فهم لايهضمون الديمقراطية سلوكا وعقلا وهم كثر. فثقافة الخضوع متسيدة على ثقافة المساهمة مما ادى الى تنوع متنافر متنابذ وسادت عقلية الحسم بدل عقلية التسوية والتشاور.

 

هنالك امراض عديدة للديمقراطية العراقية كالفساد ومحدودية الخبرة السياسية لبعض القائمين بالشأن السياسي، اضافة الى تجربة العملية السياسية التي اعتمدت على الاليات التوافقية التي انتجب ازمات عديدة وتوترات وتعارضات وتداخل في السلطات وتغليب المصالح الفرعية على المصلحة العامة.

 

ومن اهم عوائق الديمقراطية في العراق هو التدخلات الخارجية في الشأن الداخلي العراقي، وبعض الاقطاب السياسية ترسل بطاقات دعوى للخارج للتدخل في الشؤون الداخلية العراقية وهذا من اهم التيارات الضاغطة على اي عملية انتقال ديمقراطي.

 

اما مضادات امراض الديمقراطية واستئصالها هو صناعة مشروع وطني موحد يحمل دلالات حقيقية وواقعية لابمعناه الفوقي والسطحي المبني على اساس الشعارات والمشاريع الكلامية البلاغية والاناشيد الحماسية، ولازلنا نصدق الشعارات ونستصعب الواقع، نحتاج مشروع للوحدة الوطنية يطمئن اليه الجميع يقوم على اساس احترام طموحات الجميع بكل تمظراتهم وترسيخها في النظام السياسي، وهذا يتطلب من الاحزاب والقوى السياسية الفاعلة تحديث الكوادر والقيادات والممارسات التنظيمية ولجان تؤمن بمشروع وطني وحدوي يجسر الهوة الفكرية عمليا بين الاطراف ويقربها مع مبادئ العمل الديمقراطي.

 

فعلى هذه القوى ان تعترف ان اشكالية البناء الوطني لسيت مذهبية وقومية واجتماعية بل هي اشكالية سياسية، فالشواهد التاريخية في العراق تقبل التعددية في اطار الوحدة دون ضواغط اذ لايمكن تجاوز الوضع الراهن من دون العودة الى اعادة بناء المرجعيات الاجتماعية وتفعيل منظومة القيم المشتركة عبر السياسة.

 

كما علينا ان نرسخ الديمقراطية من خلال الاتفاق على مقترب وطني يناغم تطلعات المواطنين كافة لايجعلنا منقسمين في رؤيتنا للحكومة والدولة لا نتوسل بالتوافقية مرة والشراكة الوطنية مرة اخرى او نجلد الدولة تحت حجة الفيدرالية…

 

كما نحتاج ايضا مبارزة الفساد عبر انتاج سياسات عامة وتصميم حقيقي واطار قانوني وحقوقي للمواجهة ضد الفساد، ولابد ان نبدأ من اعلى الهرم السياسي بان يتطهر ويترفع عن الفساد فحين ذاك القاعدة ستتعلم الدرس فافضل مشروع للمصالحة ليس بين القوى السياسية او بين الفاعليين المحليين بل مصالحة عليا للطبقة الحاكمة مع القاعدة الاجتماعية عبر مبارزة الفساد وترسيخ اطر الانتقال الديمقراطي.

تحقيق النصاب الوطني مهمة صعبة لكن ليست مستحيلة فالتحول من فرقاء الي شركاء حقيقيين موحدين بسلوكياتهم وخطاباتهم امر ضروري للديمقراطية فلا بد من القبض على جمرة الوحدة الوطنية ولابد من النظر الى الاخر : الداخل والخارج بعين عراقية لاغير.

 

مواجهة الارهاب والاتحاد ضده مرتكز مهم يمكن الانطلاق منه للتحول الديمقراطي لكن مخطأ من يظن ان الملف الامني مقدم على بقية الملفات، صحيح انه لايمكن الفصل بين الرفاهية والحرية والكرامة والمشاركة السياسية في القرار والتوزيع العادل للثروات عن الشرط الامني، ولكن انتفاء هذه العوامل يزعزع الامن في اي دولة مهما كانت قبضتها حديدية.

 

دعم عملية التحول الديمقراطي في العراق تحتاج سياسات اجتماعية وسياسية واقتصادية وامنية فاعلة، وهذا يتطلب الاعتراف بوحدة الدولة وصيانة التعددية فيها بكل تفرعاتها، نحتاج الى قوانين التشكل الوطني من جديد، نحتاج ارساء المؤسسات والعمليات الديمقراطية الى جانب المشاركة والتعددية والتعامل مع كل المجموعات السياسية التي تؤمن بالاعتدال والحوار.

 

لابد ان يكون للفرد دور عبر المشاركة والضغط والنقد البناء فدور الفرد ضمن المجتمع يؤدي الى دمقرطة النظام السياسي.

 

لابد ان نتعامل مع مشاريع الشراكة والتوافق والاغلبية والاتفاقيات السياسية والتسويات الوطنية المطروحة الان كمقدمات ضرورية وملحة للبناء الديمقراطي لا ان يتم التعامل معها كنتجية انتخابية مؤقتة لتشكيل حكومة وتحالفات سياسية مرحلية..

 

لابد ان يغادر الساسة سياسات التشفي والتطير فيما بينهم والتماس التفاعل بدل الانفعال ومغادرة الشراكة بالامتيازات الى الشراكة بالواجبات والمسؤليات..

 

علينا ان نغادر سباق المظلوميات والتباكي على الماضي ونبدأ ببناء اطار حقوقي يحقق معالجات لمواجهة المظالم.

 

ولابد من القبول بقواعد العمل الديمقراطي ورغم كل المؤاخذات في ديمقراطية العراق بعد ٢٠٠٣، لكن تجارب الانتقال الديمقراطي مرت اسوأ بما مر به العراق، والعراق يمتلك مقومات وقدرات تؤهله لبناء مشروع وطني عراقي وحدوي يرسخ النظام الديمقراطي يضع البلد على اعتاب الاستقرار الداخلي وتحقيق عمق استراتيجي خارجي يجعله لاعبا لا ملعب، ولذلك ارى ان الامل يمكن ان يتجدد والديمقراطية تستحق الانتظار.