كاريكاتير

تصريحات الميليشيات أصدق أنباء من "العملية السياسية"

مقالة :زكي رضا نشر بتاريخ : 31/08/2016 - 13:27

 

 

الحرة حدث

ضمن العديد من الفتاوى والتوصيات التي أفتت وأوصت بها مرجعية النجف الأشرف من تلك التي أثّرت وتؤثر وستؤثر على مستقبل البلد بشدّة وتقوده نحو المستنقع الإسلامي الطائفي، هي فتوى الجهاد الكفائي، وعلى الرغم من أن هذه الفتوى ليست الأخيرة الّا أنها الأشّد وقعا وضررا على مستقبل البلاد بعد أن منحت مجالا رحبا وواسعا للميليشيات المسلّحة للتدخل بالشأن السياسي ولعب دور "قانوني ودستوري" فيه اليوم وغدا. 

كان على المرجعية إن كانت صادقة في حماية البلد أن تطالب رئيس الوزراء وهو"شيعي" والغالبية الشيعية بالبرلمان العراقي للضغط من أجل فتح أبواب التطوع أمام الشباب العراقي في الجيش للدفاع عن حياض الوطن، كون فتواها تلك "الجهاد الكفائي" ساهمت بدخول ميليشيات مسلّحة كانت موجودة أصلا ولم تحلّ نفسها وفقا للدستور في قوام الحشد الشعبي لتأخذ بهذه الفتوى الصفة الرسمية والقانونية. 

هذه الميليشيات وبدعم إيراني مرسوم لها بدقّة وبمباركة المرجعية لها ستتحول لاحقا الى قوات من شقّين كما هي الحال في إيران، فالميليشيات السابقة كميليشيا بدر وجيش المهدي وغيرها وتلك التي تأسست بعد إندلاع الصراع في سوريا بدعم حكومي وإيراني، كميليشيا بدر والعصائب وميليشيا الخراساني وحزب الله والكتائب على مختلف تسمياتها والحركات على مختلف تسمياتها أيضا وعلى رأسها حركة النجباء المنشقة عن العصائب والتي هي منشقة أصلا عن جيش المهدي، ستتحول لاحقا الى ما يشبه الحرس الثوري الإيراني "باسداران"، أمّا المتطوعين في الحشد الشعبي إمتثالا لفتوى السيستاني فسيتحولون الى مؤسسة عسكرية شبه رسمية على غرار قوات التعبئة "البسيج". 

إنّ الساذج سياسيا فقط هو من يحسن النية في حلّ هذه الميليشيات لنفسها بعد إستقرار البلد وعودة الأمن الى ربوعه، والساذج سياسيا هو الذي يحسن النية بفتوى المرجعية حول الجهاد الكفائي وعدم إرتباطها العضوي بأسلمة الدولة عن طريق الإرهاب الميليشياوي غدا. كون هذه الميليشيات ستستمر بالوجود حتى بعد هزيمة داعش الإرهابية لتتحول بعدها الى جزء هام من مؤسسات الدولة، وهذا ما صرّح به أمين عام حركة النجباء خلال مؤتمر صحفي عقده بطهران التي يزورها زيارة رسمية !!! حين أكّد أنّ الفصائل الشيعية المسلحة في العراق "ستحافظ على حياتها حتى بعد تحرير الموصل"!!. 

إنّ أهداف الأحزاب الإسلامية الشيعية وأذرعها العسكرية لا تختلف بشيء عن أهداف الأحزاب الإسلامية السنية وأذرعها العسكرية، وللإثنين هدفان هما الدعوة للإسلام و إقامة حكم الله في الأرض ، مع الأخذ بنظر الإعتبار طريقة تطبيق هذين الهدفين على أرض الواقع. وعليه فأن الاحزاب الشيعية العراقية تعمل وهي التي تعلن ولاءها علنا لإيران ولحكم ولي الفقيه على أسلمة الدولة والمجتمع بمختلف السبل المتاحة وتسليم السلطة لنائب "الإمام المهدي" أي ولي الفقيه الإيراني، ومهما حاولت مرجعية النجف النأي بنفسها عن هذا المشروع الضار لها ماليا كونها في صراع مرجعي مع مرجعية قم، الا أنّ الهدف الأسمى وهو بناء دولة إسلامية خالصة يعتبر هدفا من الممكن أن تتنازل المرجعية بسببه عن إمتيازات إمبراطوريتها المالية.

أنّ تشبيه الساسة العراقيين الشيعة و زعماء الميليشيات الشيعية المسلّحة تجربة الحشد الشعبي بتجربة "الباسيج" و "الباسداران" الإيرانيتين بإستمرار لا يجب إغفالها كمجرد تشابه بين قوات عسكرية شبه نظامية، ولا كونها محاولة عراقية بحتة لإستنساخ التجربة الإيرانية، بل هي تهيئة الأرضية السياسية والنفسية للشعب العراقي على إعطاء دور لهذه الميليشيات كما هو دور "البسيج والباسداران" في إيران، فما هو الدور الحقيقي للبسيج والباسداران في إيران وما هي إمكانياتهما المالية والعسكرية والأمنية؟

إنّ تشكيل قيادة ميدانية وسياسية واحدة للميليشيات الشيعية بالعراق على غرار الحرس الثوري في إيران هو مسألة وقت لا غير، فالحرس الثوري كان في بداياته متعدد الولاءات السياسية ولكن ذو هدف واحد وهو القضاء على أعداء الثورة بالقوة وهذا ما ستقوم به الميليشيات الشيعية في وقت قادم ليس ببعيد، وما إعتقالها للناشطين المدنيين وتغييب البعض منهم من خلال صمت حكومي وشعبي الا بروفات سياسية وأمنية لذلك اليوم. وسيكون لهذه الميليشيات وعلى غرار "الباسداران" ومعها المتطوعين في الحشد "البسيج" دورا أمنيا وعسكريا كبيرا يفوق دور الجيش العراقي والأجهزة الأمنية ، كونها قوات نظامية ذات آيديولوجيا إسلامية شيعية تعتبر الولاء للمرجع وولي الفقيه والطائفة أكبر من الولاء للوطن المتعدد المذاهب والقوميات. ومن خلال إمكانياتها الأمنية والعسكرية التي ستتحلى بها ستكون على إستعداد تام لمواجهة الجيش النظامي، إذا ما فكر الجيش يوما ما بتحديد أو التضييق على حكم المؤسسة الدينية والأحزاب الدينية. إذ سيكون لهذه الميليشيات عند وحدتها ضمن مؤسسة "الحرس الثوري العراقي" قوات برية وجوية وبحرية كما في الجيش العراقي تضاهي بتسليحها الجيش إن لم تتفوق عليه.

سيكون لـ "الحرس الثوري العراقي – ميليشيات الحشد الشعبي" علاوة على قواتها المسلحة إمبراطورية مالية وإقتصادية بدأت منذ ما يسمى بعملية تحرير العراق بسرقتها للبترول وبيعه ، وإمتلاكها لنسب كبيرة من أسواق العقارات والإستيراد والتصدير والفندقة إضافة الى إمتلاكها لعصابات سرقات محال العملة والذهب وفرضها الأتاوات على الشركات المختلفة التي تعمل في السوق العراقية من خلال إستيفائها لنسب وحصص بسبب عدم حصول هذه الشركات على موافقات إصولية ورسمية الا من خلال دفعها لهذه الاتاوات. كما ستمتلك وهي تمتلك اليوم مؤسسات إعلامية ضخمة من صحافة و إذاعات وتلفزة وفضائيات تهيمن من خلالها على المزاج الشعبي العام وتوجيهه الى حيث مصالحها. 

إنّ الميليشيات المنضوية تحت إسم الحشد الشعبي لا تعتبر حصان طروادة إيراني في العراق، فإيران ليست بحاجة الى حصان طروادة لتصول وتجول بالبلد، فكل الاحزاب الشيعية ومعها تشكيلات الحشد الشعبي التي تأسست بعد فتوى "الجهاد الكفائي" هي أحصنة إيرانية تعمل وفق سياسات مرسومة لها بدقّة في طهران. وإستقبال طهران لزعماء ميليشيات وسجناء سابقين بتهم الإرهاب إستقبالا رسميا ورعاية هذه الميليشيات وتدريبها وتسليحها وتمويلها وتسويقها إعلاميا، يسحب البساط من تحت أرجل كل من يحلم بدولة مدنية ونظام ديموقراطي في ظل أكبر كذبة تسمى "عملية سياسية"!!!.

إنّ عملية تحرير المدن العراقية من رجس عصابات داعش ستتزامن والإنتخابات القادمة في نيسان العام القادم والتي يعمل الإسلام السياسي على جعلها إنتخابات مجالس محافظات وبرلمانية مبكرة، لمنح هذه الميليشيات مساحة أكبر على المشهد السياسي من خلال حصدها لنتائج مشاركتها في الحرب على داعش على شكل مقاعد برلمانية. وهذا يعني أنّ الميليشيات التي تعلن من طهران عدم حلّ نفسها حتّى بعد تحرير العراق وهزيمة داعش كحركة النجباء وغيرها من الميليشيات ستكون ممثلة في البرلمان وجزء من السلطة التنفيذية حسب عدد مقاعدها في برلمان "الشعب"

السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ             في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ ....."ابو تمام"

أنّ العراق يسير نحو مستقر له هو "حكم الميليشيات الدينية" ، واي حديث عن "عملية سياسية" سيكون من الأحلام الوردية .. فتصريحات رؤساء الميليشيات من طهران وغيرها من العواصم ، أصدق من تلك الأحلام ، إذ أنها الحد بينَ الجدِّ واللَّعبِ.